السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
240
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وقد هتكوا حين صدوا النبي وأصحابه عن الحج عام الحديبية ورموهم بالسهام والحجارة جاز للمؤمنين أن يقاتلوهم فيه وليس بهتك ، فإنما يجاهدون في سبيل اللّه ويمتثلون أمره في إعلاء كلمته ولو هتكوا حرمة الحرم والمسجد الحرام بالقتال فيه وعنده جاز للمؤمنين معاملتهم بالمثل ، فقوله : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ بيان خاص عقب ببيان عام يشمل جميع الحرمات وأعم من هذا البيان العام قوله تعالى عقيبه : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، فالمعنى أن اللّه سبحانه إنما شرع القصاص في الشهر الحرام لأنه شرع القصاص في جميع الحرمات وإنما شرع القصاص في الحرمات لأنه شرع جواز الاعتداء بالمثل . ثم ندبهم إلى ملازمة طريقة الاحتياط في الاعتداء لأن فيه استعمالا للشدة والبأس والسطوة وسائر القوى الداعية إلى الطغيان والانحراف عن جادة الاعتدال واللّه سبحانه وتعالى لا يحب المعتدين ، وهم أحوج إلى محبة اللّه تعالى وولايته ونصره فقال تعالى : واتقوا اللّه واعلموا أن اللّه مع المتقين . وأما أمره تعالى بالاعتداء مع أنه لا يحب المعتدين فإن الاعتداء مذموم إذا لم يكن في مقابله اعتداء وأما إذا كان في مقابله الاعتداء فليس إلّا تعاليا عن ذل الهوان وارتقاء عن حضيض الاستعباد والظلم والضيم ، كالتكبر مع المتكبر ، والجهر بالسوء لمن ظلم . وقوله تعالى : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، أمر بانفاق المال لإقامة القتال في سبيل اللّه والكلام في تقييد الإنفاق هاهنا بكونه في سبيل اللّه نظير تقييد القتال في أول الآيات بكونه في سبيل اللّه ، كما مر ، والباء في قوله : بِأَيْدِيكُمْ زائدة للتأكيد ، والمعنى : ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة كناية عن النهي عن إبطال القوة والاستطاعة والقدرة فان اليد مظهر لذلك ، وربما يقال : ان الباء للسببية ومفعول لا تلقوا محذوف ، والمعنى : لا تلقوا أنفسكم بأيدي أنفسكم إلى التهلكة ، والتهلكة والهلاك واحد وهو مصير الإنسان